السيد كمال الحيدري
70
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
والمحسوس . ثانياً : بعد العلم بأنّها أمثال ، يعلم بذلك المقدار الذي يجب طرحه من الخصوصيات المكتنفة بالكلام ، وما يجب حفظه منها للحصول على المرام ، وإنّما يحصل ذلك بأنّ هذا يتضمّن نفي بعض الخصوصيات الموجودة في ذلك ، وذاك نفي بعض ما في هذا . وإيضاح المقاصد المبهمة والمطالب الدقيقة بإيراد القصص المتعدِّدة والأمثال والأمثلة الكثيرة المتنوّعة ، أمرٌ دائر في جميع الألسنة واللغات من غير اختصاص بقوم دون قوم ولغة دون لغة ، وليس ذلك إلّا لأنّ الإنسان يشعر بقريحة البيان مساس حاجته إلى نفي الخصوصيات الموهمة لخلاف المراد في القصّة الواحدة أو المثل الواحد بالخصوصيات النافية الموجودة في قصّة أُخرى مناسبة أو مَثَل آخر مناسب » « 1 » . لذا أكّد القرآن هذه الحقيقة في قوله تعالى : وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إلّا الْعالِمُونَ « 2 » ، حيث أشار إلى أنّ الأمثال المضروبة في القرآن وإن كانت عامّة تقرع أسماع جميع الناس ، لكنّ الوقوف على حقيقة معانيها ولبّ مقاصدها خاصّة لأهل العلم ممّن يعقل حقائق الأمور ولا يجمد على ظواهرها . والدليل على هذا المعنى قوله : ولا يعقلها دون أن يقول : وما يؤمن بها أو ما في معناه . قال الطباطبائي : « فالأمثال المضروبة في كلامه تعالى يختلف الناس في تلقّيها باختلاف أفهامهم ، فمن سامع لا حظّ له منها إلّا تلقّي
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 3 ص 62 . ( 2 ) العنكبوت : 43 .